محمد سعيد رمضان البوطي

262

فقه السيرة ( البوطي )

المشركين وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تناشده اللّه والرحم أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه فجاؤوا إلى المدينة « 1 » . ولما كان فتح مكة ، كان أبو جندل هذا ، هو الذي استأمن لأبيه وعاش رضي اللّه عنه حتى استشهد في وقعة اليمامة « 2 » . وهكذا صحا أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم من همهم ذاك ، على مزيد من الإيمان بالحكمة الإلهية ونبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، روي في الصحيح أن سهيل بن سعيد رضي اللّه عنه قال يوم صفين : أيها الناس ، اتهموا رأيكم ، لقد رأيتني يوم أبي جندل ، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لرددته ! . . ومرة أخرى نكرر ونقول : هل في أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم أبلغ من هذا الدليل وأظهر ؟ ومن الحكم الجليلة أيضا ، إن اللّه جلت قدرته إنما أراد أن يجعل فتح مكة لنبيه فتح مرحمة وسلم ، لا فتح ملحمة وقتال ، فتحا يتسارع الناس فيه إلى دين اللّه أفواجا ، ويقبل فيه أولئك الذين آذوه وأخرجوه ، يلقون إليه السلم ويخضعون له الجانب مؤمنين آيبين موحدين ، فجعل من دون ذلك هذا التمهيد : تؤوب فيه قريش إلى صحوها وتحاسب فيه نفسها وضميرها ، وتشترك هي الأخرى مع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أخذ العبرة من أمر هذا الصلح ومقدماته ونتائجه ، فتنضج الآراء في الرؤوس وتتهيأ لقبول الحق الذي لا ثاني له . وهكذا كان الأمر ، كما ستعلم تفصيله في مكانه إن شاء اللّه تعالى . الأحكام المتعلقة بذلك : هذا عن بعض الحكم الإلهية المتعلقة بأمر صلح الحديبية ، أما ما يتعلق بذلك من الدلالات والأحكام فإنه لكثير ، وسنقتصر من ذلك على ما يلي : أولا : ( الاستعانة بغير المسلمين فيما دون القتال ) ، قلنا إن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أرسل بشر بن سفيان عينا إلى قريش ليأتيه بأخبارهم ، وبشر بن سفيان كان مشركا من قبيلة خزاعة ، وفي هذا تأكيد لما كنا قد ذكرناه سابقا من أن أمر الاستعانة بغير المسلم يتبع الظرف وحالة

--> ( 1 ) من تتمة حديث البخاري السابق ذكره . ( 2 ) راجع الإصابة : 4 / 24 .